السيد هادي الخسروشاهي

79

عبد الله بن سبأ بين الواقع والخيال

الباغية ، وقد قُتل عمّار في صفّين من قبل جيش معاوية . وممّا يروى أنّ عمّاراً خطب في صفّين ، فكان ممّا قال : « انهضوا معي عباداللَّه إلى قومٍ يزعمون أنّهم يطلبون بدم الظالم لنفسه ، الحاكم على عباداللَّه بغير ما في كتاب اللَّه . . . فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم ولو درس هذا الدين : لِمَ قتلتموه ؟ فقلنا : لإحداثه ، فقالوا : إنّه لم يحدث شيئاً ؛ وذلك لأنّه مكّنهم من الدنيا ، فهم يأكلونها ويرعونها ، ولا يبالون لو انهدمت عليهم الجبال . واللَّه ما أظنّهم يطالبون بدمه ، إنّهم يعلمون أنّه الظالم ، ولكن القوم ذاقوا الدنيا واستحبّوها ، وعلموا أنّ صاحب الحقّ لو وليهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون فيه منها » . « 1 » وقد ذكر ابن العربي في كتابه : أنّ عمّاراً قال ذات مرة : « لقد كفر عثمان كفرةً صلعاء » . فلمّا سمع علي عمّاراً يكفّر عثمان ، لامه على ذلك . وهذا الأمر هو الذي بعث المؤرّخين على القول بأنّ السبئيين اتّصلوا بعمّار ، والتفّوا به ليستميلوه » . « 2 » وبعد أن ينقل الدكتور علي الوردي أقوال ابن العربي هذه ، يعود ليقول : « ولكنّ هؤلاء المؤرّخين لم يقولوا عن عمّار أنّه كان سبئياً ، كأنّهم لم يجرأوا أن يطلقوا عليه هذا النعت الذميم ، وهو ذلك الصحابي الجليل الذي عُذِّب في سبيل اللَّه كثيراً ، وتحدّث النبي بفضله مراراً . الواقع أنّه كان سبئياً بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى ، وقد ظلّ سبئياً حتّى مات ! وأتصوّر أنّه كان زعيم السبئيين الأكبر ، أي أنّه ابن سبأ بالذات » . « 3 » ثم يتساءل الوردي بعد ذلك فيقول : « هنا قد يعترض سائل فيقول : أين ذهب ابن سبأ في هذه المعمعة الكبرى ؟

--> ( 1 ) . انظر عمّار بن ياسر ، عبداللَّه السبيتي : 150 - 151 . ( 2 ) . العواصم والقواصم ، ابن العربي : 150 - 151 . ( 3 ) . وعّاظ السلاطين : 172 ، 174 .